الذهبي
205
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
وكان عديم الالتفات إلى ما يرغب فيه الملوك من الأبّهة والتّعظيم ، وينهى نوابه عن مزاحمة الملوك في طلوع العلم على جبل عرفات . وكان يركب وحده مرارا عديدة ، ثمّ يتبعه غلمانه يتطاردون خلفه . وكان مكرما لأصحابه كأنّه واحد منهم ، ويصلّي الجمعة في تربة عمّه صلاح الدّين ويمشي منها إلى تربة أبيه . توفّي في سلخ ذي القعدة سنة أربع ، ودفن بالقلعة ، ثمّ نقل إلى تربته ومدرسته بقاسيون ، سامحه اللَّه . ونقلت من خطّ الضّياء قال : كان شجاعا ، فقيها ، وكان يشرب المسكر [ ( 1 ) ] ويجوّز شربه ! ، وكان ربّما أعطى العطاء الكثير لمن لا يشرب حتّى يشربه . وأسّس ظلما كثيرا ببلاد الشام ، وأمر بخراب بيت المقدس ، وغيرها من الحصون . وقال ابن الأثير [ ( 2 ) ] : كان عالما بعدّة علوم ، فاضلا فيها ، منها : الفقه ، ومنها علم النحو ، وكذلك اللّغة . نفق العلم في سوقه وقصده العلماء من الآفاق فأكرمهم وأعطاهم ، إلى أن قال : لم يسمع أحد منه ممّن يصحبه كلمة نزقة . وكان يقول كثيرا : اعتقادي في الأصول ما سطّره أبو جعفر الطّحاويّ . وأوصى أن يدفن في لحد ، وأن لا يبنى عليه بناء ، بل يكون قبره تحت السماء ، وكان يقول في مرضه : لي عند اللَّه في أمر دمياط ما أرجو أن يرحمني به . وقال ابن واصل [ ( 3 ) ] : كان جند المعظّم ثلاثة آلاف فارس لم يكن عند أحد من إخوته جند مثلهم في فرط تجمّلهم ، وحسن زيّهم ، فكان بهذا العسكر القليل يقاوم إخوته ، فكان الكامل يخافه لما يتوهّمه من ميل عسكر مصر إليه لما يعلمونه من اعتنائه بأمر أجناده . وكان المعظّم يخطب لأخيه الكامل في بلاده ، ويضرب السكّة باسمه ، ولا يذكر اسمه مع الكامل . وكان مع شهامته ، وعظم هيبته قليل التّكلّف جدّا ، لا يركب في السّناجق السلطانية في غالب
--> [ ( 1 ) ] يعني المختلف فيه ، لا المتفق على تحريمه . [ ( 2 ) ] في « الكامل » : 12 / 472 . [ ( 3 ) ] في « مفرج الكروب » : 4 / 209 - 210 بتصرف .